السيد محمد تقي المدرسي
11
من هدى القرآن
وهكذا ؛ إبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام ، وبالرغم من أن جوهر رسالات الله واحد ، إلا أن هناك بعض التفاصيل المختلفة بسبب اختلاف الظروف نقرؤها في ( الآيات : 69 - 100 ) . وبعد بيان كل تلك القصص يبين السياق العبرة منها ، ويذكّر بالقيامة ، حيث أن عذاب الله في الدنيا ، آية عذابه في الآخرة ، كما أن رحمته ونجاته هنا آية نعيم الجنة التي وهبها للمؤمنين ، وأن تأخير يوم القيامة ليس بلا حدود ، بل إن هناك أجلًا معدوداً ينتهي إليه التأخير . فنحن نقترب إليه على قطار الزمن ، وحينئذ يظهر سلطان الله ، حيث لا تستطيع أي نفس أن تتحدث إلا بإذن الله ، وينقسم الناس إلى سعداء وأشقياء ( الآيات : 101 - 108 ) . ثم تعالج الآيات فيما بعد قضية تكريس الإيمان بالآخرة في واقع الدنيا ، فنهى الرسول من الشك في ضلالة الكافرين فيما يعبدون من آلهة ، وأنهم ليسوا أفضل ممن سبق من المشركين ، وأن الله سيوفيهم جزاءهم العادل دون نقصان ، ومثل هؤلاء إنما هو كمثل الذين اختلفوا في كتاب موسى فأعطاهم الله فرصة الامتحان بكلمة سبقت منه سبحانه ، ولولاها لقُضي بينهم بتأييد الصادقين منهم ضد أعدائهم ، وذلك بسبب شكهم المريب في صدق الكتاب الذي اختلفوا فيه ( الآيات : 109 - 111 ) . وبعد ذلك يذكّر القرآن رسول الله صلى الله عليه وآله بضرورة الاستقامة ، وهو الأمر الذي شيب الرسول صلى الله عليه وآله كما جاء عنه في حديث مشهور ( الآية : 112 ) . كما يبين الله لنا الموقف الإيماني السليم من الكافرين والظالمين ، حيث تحرم مودتهم والركون إليهم ، ثم الاستعانة بالصلاة والصبر وانتظار الفرج الموعود ، وكذلك العمل على تشكيل جبهة الصالحين في إطار مقاومة الفساد المستشري ( الآيات : 113 - 117 ) . في نهاية سورة هود يجيب القرآن الحكيم على هذا السؤال : لماذا الصراع ؟ ألم يكن ربنا قادراً على توحيد الناس ؟ فيقول : بلى ، ولكن الدنيا دار عمل وانتظار ، وسيبقى الناس مختلفين - إلا من رحم الله فهداه إلى صراط مستقيم - والتاريخ صورة لهذا الصراع الممتد ، والله يقص علينا من انباء الرسل ليثبت بها قلب الرسول وقلوب المؤمنين ، وليوضح الحق ، وليلقي بالمواعظ ، وليذكر المؤمنين ، فالله قد أعطى في دار الابتلاء فرصة لكل الناس ، ليعملوا ، والمؤمنون بدورهم يعملون ، ولينتظر الجميع . والله محيط علما وقدرة بغيب السماوات والأرض وبما في مستقبل الأشياء وبحاضرها أيضا ، فعلينا أن نعبد الله ، وأن نتوكل عليه فالله ليس بغافل عما يعمله الناس ، فعلمه وقدرته